عبد الملك الجويني
157
الشامل في أصول الدين
بأحوال وصفات ليست لعلمنا ، فلا يبعد أن يثبت سواد حادث مختص بحال ، غير متحقق لما علمناه من السواد ، ثم إنه تتبع جملة ما ذكرناه بالنقض . فقال : أما قول من قال : إن كون العالم عالما يدل على ثبوت العلم ، فلا مدافعة فيه ، ولكن ما الدليل على أن كون العلم مغاير للسواد ؛ وإنما الذي تقتضيه الدلالة إثبات العلم ، وقد تحقق ذلك . فإن قال قائل : فكيف تثبت أحكاما بعلة واحدة ؟ قلنا : وما المانع منه إذا كان للعرض الواحد أحوال تقتضي أحكاما ، لكونه على تلك الحال ، فلا مانع من ذلك عقلا . فإن قيل : فبم تعلمون أن علم العالم غير لونه ، مع تجويزكم ما قلتموه . قلنا : سبيل معرفة ذلك العلم استمرار اللون مع زوال العلم . فإذا رأينا الألوان مستمرة والعقائد تختلف ، فعلمنا بذلك مغايرة اللون للاعتقاد . ولو صور الخصم الكلام في محل استمر لونه وعلمه ، لقيل فيه : إنا نعلم تغاير العلم واللون ؛ من حيث علمنا اطراد العادة لمغايرة اللون العلوم . فلو جوزنا إخراق العوائد ، لم يكن في ذلك دليل عقلا . وللقاضي أن يتمسك بما لا قدح فيه ، فيقول : مغايرة اللون للعلم مما عرفناه قطعا ، فلو جوزنا كون اللون علما ، مع المصير إلى نفي بقاء الألوان ، لما توصلنا إلى مغايرة اللون العلم . والذي ذكره المعترض من أن سبيل معرفة ذلك استمرار الألوان مع اختلاف العقائد لا محصول له . [ و ] للقائل أن يقول : إن الألوان تتجدد حالا بعد حال ، فإذا اتصف الأسود بكونه علما ، ثم اتصف في الحالة الثانية بكونه جهلا مع أنه أسود فيها ، فقد طرأ في الحالة الثانية سواد ، ولم يبق السواد الأول ، فما يؤمننا أن يكون السواد الثاني سوادا جهلا ، وكان الأول سوادا علما ؟ وهذا يجر - لا محالة - إلى القول بحصر الأعراض في الألوان أو غيرها . وما يتفق الاستشهاد به - وهذا من أقوى ما يتمسك به القاضي - أن كل مذهب يحسم باب الوصول إلى تغاير الألوان والقدر ، كان باطلا . واعترض ابن مجاهد على النكتة الأخرى ، وهي أن السواد لو جاز أن يكون علما ، لوجب أن يكون مشروطا بالحياة من وجه ، غير مشروط بها من وجه ، فهذا قول مدخول . فإنه إن لم يبعد كون الحياة شرطا في العلم - من حيث كان علما ، لا من حيث كان عرضا -